القاضي عبد الجبار الهمذاني

34

المنية والأمل

الحق والباطل . وكان واصل يلازم مجلس الحسن ، يظنون به الخرس من طول صمته ، فمر ذات يوم بعمرو بن عبيد ، فأقبل عليه بعض مستحبّي واصل فقال : « هذا الذي تعدونه في الخرس ، ليس أحد أعلم بكلام غالية الشيعة ، ومارقة الخوارج ، وكلام الزنادقة والدهرية والمرجئة وسائر المخالفين ، والرد عليهم منه ، قال عمرو : أنّى هذا ؟ وله عنق لا يأتي معها بخير ، وكان واصل طويل العنق ، ثم قال عمرو بعد ذلك : « وأشهد أن الفراسة باطلة ، إلا أن ينظر رجل بنور اللّه » . قال الجاحظ : « ولمّا قال بشار بن برد « 1 » بالرجعة وتكفير جميع الأمة ، تبرأ منه واصل » ، وكان صديقا له ، ومدحه بشار ، وذكر خطبته التي ألغى منها الراء ، وكانت على البديهة ، وهي مع ذلك أوسع من خطبة خالد بن صفوان وشبيب بن شبه فقال بشار : تكلّف القول والأقوام قد ضلّوا * وحبّروا خطبا ناهيك من الخطب وقال مرتجلا تغلي بداهته * كمرجل القين ما حفّ باللهب وجانب الراء لم يشعر به أحد * قبل التصفّح والاغراق في الطلب فلما تبرأ منه هجاه فقال : ما لي أشايع غزّالا له عنق * كنقنق الدو إن ولىّ وإن مثلا عنق الزرافة ما بالى وبالكم * تكفّرون رجالا كفّروا رجلا فعابه بطول عنقه ، النقنق بنونين وقافين ، ذكر النعام شبهه به لطول عنقه . فرع : وسئلت أخت عمرو بن عبيد ، وكانت زوجة واصل : « أيهما أفضل ؟ » فقالت : بينهما كما بين السماء والأرض » ، فقيل : « كيف كان علمهما ؟ » قالت : « كان واصل إذا جنّه الليل صف قدميه يصلي ، ولوح ودواة موضوعان ، فإذا مرت به آية فبها حجة على مخالف ، جلس فكتبها ثم عاد في صلاته .

--> ( 1 ) هو أشعر المولدين على الاطلاق ، أصله من طخارستان « غربى نهر جيحون » . نشأ في البصرة ، وقدم بغداد . نسبته إلى امرأة عقيلية قيل إنها أعتقته من الرق . ولد سنة 95 ه ومات ضربا بالسياط سنة 167 ه .